كتبت صفيه يسري
قد تبدو شبه جزيرة كولا في الدائرة القطبية التي تتداخل فيها البحيرات مع الغابات والضباب والجليد، كأنها مدينة خيالية وقد اراد الاتحاد السوفييتي ان يطلق مشروع لاستكشاف قشرة الأرض، وهو “بئر كولا” لحفر أعمق حفرة داخل قشرة الأرض وذلك بمدينة زابوليارني في الشمال الغربي من الاتحاد
وفي وقت سابق قد حاول كلا من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية اطلاق مشاريع حفر عملاقة للوصول الى اعمق نقطة في الارض، حيث اعلنت اميركا عن “مشروع موهولي” وبدأ العلماء الحفر تحت سطح البحر قبالة جزيرة غوادالوبي المكسيكية، ووصلوا إلى عمق 183 مترا قبل أن يتوقف المشروع بسبب نقص التمويل.
اكتمل الحفر في عام 1989 مخلفاً ثقباً عمقه 12.262 مترا، وبرغم أن الحفر لم يبلغ العمق المستهدف من البداية إلا أنه توقف لارتفاع درجة الحرارة عما هو متوقع إذ بلغت حوالي 180 درجة مئوية مما يعني ارتفاع تكاليف الحفر بشكل مبالغ فيه.توقف تمويل المشروع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وخلف بضع شائعات أثارها الإعلام وقتها حول أصوات صرخات بشرية تأتي من أسفل الحفرة.
وعندما بدأ الحفر في قاع البحر في إطار مشروع “موهول” عام 1961، لم تكن التقنيات الأساسية للحفر في أعماق البحار قد اختُرعت بعد، مثل نظام التموضع الديناميكي، الذي يساعد على تثبيت السفينة في موضعها، واضطر المهندسون لتطوير أنظمة دفع على جانبي السفينة لتستقر فوق الحفرة،كما واجه المهندسون الألمان صعوبة في عمل حفرة رأسية، وابتكروا تقنية لا تزال تستخدم في حفر أبار النفط والغاز حول العالم.
لكن كل هذه البعثات الاستكشافية باءت بالفشل، إذ واجهت مشروعاتهم عقبات عديدة، منها التسرع وعدم كفاية الاستعدادات ووجود عوائق صعبة حالت دون مرور الحفارات، أو عدم تحمل الآلات لدرجات الحرارة المرتفعة في باطن الأرض، أو ارتفاع التكاليف، ناهيك عن العوامل السياسية، وكل ذلك أسهم في إجهاض تطلعات العلماء وطموحاتهم بالحفر إلى أعماق سحيقة في باطن الأرض لم يصل إليها بشر من قبل وقبل عامين من وصول نيل آرمسترونغ إلى القمر، أوقف الكونغرس الأمريكي تمويل مشروع “موهول”، بعد أن خرجت التكاليف عن السيطرة. وأسفرت جهود العلماء الأمريكيين عن استخراج بضعة أمتار من صخور البازلت التي بيعت بنحو 31 مليون دولار، بقيمة الوقت الحالي.
وتوقفت أعمال الحفر في بئر كولا العميق في عام 1992، بعد أن بلغت درجة الحرارة في أعماق باطن الأرض 180 درجة مئوية، أي ضعف توقعات المهندسين، وبات من المستحيل تعميق الحفرة. وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، عجزت الدولة عن تمويل هذه المشروعات. وبعد ثلاث سنوات أُغلقت المحطة برمتها، والآن أصبحت وجهة للسياح المغامرين.
لكن البئر الألماني أفلت من هذا المصير، إذ لا تزال معدات الحفر قائمة في مكانها، لكن الرافعة لا تستخدم الآن إلا لإنزال معدات القياس في الحفرة. وغدا الموقع الآن فعليا مرصدا لكوكب الأرض، أو متحفا فنيا.
وعندما أنزلت الفنانة الألمانية لوتي غيفان مكبرات الصوت المحاطة بغلاف خاص يقيها من الحرارة المرتفعة في الحفرة الألمانية، التقطت هديرا عميقا، لم يجد له العلماء تفسيرا، وجعلها تشعر أنها ضئيلة، وتقول: “لأول مرة في حياتي أشعر أن كوكب الأرض ينبض بالحياة، وكان صوته مرعبا. وبينما يرى البعض أن هذا الصوت كان يشبه صوت اضطرام نار جهنم، قال أخرون إنهم سمعوا صوت شهيق وزفير كوكب الأرض”.
ويقول هارمز: “كنا نخطط لعمل حفرة أعمق من حفرة السوفييت، لكننا لم نتمكن من الحفر حتى عمق 10 كيلومترات في الوقت المتاح، وتعذر تعميق الحفرة بسبب درجات الحرارة المرتفعة في باطن الأرض. كما تزامنت عمليات الحفر مع توحيد ألمانيا في مطلع التسعينيات الذي كلف ألمانيا أموالا طائلة، ولم يكن ثمة أمل في الحصول على أي أموال إضافية لتغطية تكاليف تعميق الحفرة”.
ويضيف هارمز: “كنا نرى أن عمليات الحفر إلى طبقة الوشاح هي بعثة استكشافية، لأنها تتطلب الكثير من الاستعدادات والجهود، ولأنك ترمي إلى الوصول إلى نقاط لم يصل إليها بشر من قبل. وكلما تعمقت في الحفر وجدت أشياء مدهشة، ولا سيما عندما تتوغل في القشرة الأرضية”.
ويقول دامون تيغل، أستاذ الكيمياء الجغرافية في كلية علوم الأرض والمحيطات، بالمركز الوطني لعلم المحيطات بجامعة ساوثهامبتون، ويشارك في مشروع الحفر الجديد الذي تقوده اليابان: “عندما شاركت مع فريق من العلماء من مشروع الحفر في أعماق البحار وبرنامح الحفر في المحيطات في عمل حفرة عميقة، كنا أول من رأى قشرة محيطية لم يصل إليها أحد من قبل، وكان الأمر مثيرا