كتبت صفيه يسري
هناك العديد من نماذج الفتاوى وهي ممتدة على رقعة زمنية كبيرة وإن كانت ليست بعيدة نسبيا، أولا في أنها فتاوى رسمية وبالتبعية لا تعبر عن جماعات متطرفة أو هامشية، وهي وإن أضحت مثارا للسخرية اليوم لكنها بالأمس كانت موضوعات جادة تثير النقاش في أروقة الفقهاء ومجالس الناس ويوضع بحقها الرسالات والمؤلفات، وأنها ممتدة على رقعة زمنية (ومكانية) كبيرة، خلال الخمسة قرون الأخيرة، ما يعني أنها ذات دلالة، ولا يمكن أن يحتج عليها بكونها تنتمي لما اصطلح عليه بعصور الانحطاط، فالمنظومة الفقهية التقليدية المكتملة حينها لا تزال تحكم، دون أن يطرأعليها أي تغيير معتبر.
حيث جائت الفتوي عندما ظهرت الطماطم لأول مرة بالمنطقة العربية في بلاد الشام في القرن التاسع عشر، وكانت مثار استغراب واستهجان الشاميين لكون لونها أحمر وهي من الخضروات، لذا سماها الناس بـ”مؤخرة الشيطان”، ولما كان لزاما على أهل العلم أن يقولوا فيها قولتهم، فقد خرج مفتي حلب بفتوى تحرم أكل “مؤخرة الشيطان”، لكن الناس تجاوزوا الفتوى الرسمية خلال سنوات فانتشرت الطماطم وتوسعت زراعتها وعرفت تحت اسم “البندورة”.
فهذه الخضرة التي تسمى في بلاد الشام (بالبندورة) تحريفا لاسمها الإيطالي (POMMA DORA). وتسمى أيضا في حلب بالفرنجية إشارة إلى أصلها الأجنبي (بالمناسبة إن الطماطم ليست إيطالية, ولا إفرنجية بل هي -مع البطاطا- من الحسنات التي أدتها الزراعة الأمريكية الهندية للبشرية).
وقد نفر الحلبيّون من استهلاكها وزراعتها في بادئ الأمر ولكن لم تمض سنوات قليلة حتى كانت زراعة الطماطم قد عمت بلاد الشام وتأصلت حتى صارت الأصناف الجيدة تعرف باسمها