كتبت:صفيه يسري
وستغادر ميركل المنصب وشعبيتها فى أعلى مستوياتها بعد 16 عاماً فى المستشارية الألمانية اعتبرت خلالها مسؤولة استثنائية فى إدارة شؤون البلاد، ولكن اتصفت كقيادية بأنها تفتقر إلى الرؤية، من غير أن تكون مهّدت لخلافتها، تاركة إرثاً متبايناً.
ولخصت ميركل شعارها بقولها: «الحياة بدون أزمات أسهل، لكن حين تحلّ، يجب مواجهتها»، وعددت المستشارة عندها خمس أزمات كبرى واجهتها، من الأزمة المالية عام 2008 إلى تفشى وباء كوفيد- 19، مروراً بإنقاذ اليورو وملف اللاجئين، خصوصا السوريين عام 2015 والاحترار المناخى، غير أن سياستها فى فتح أبواب بلادها أمام اللاجئين تبقى أبرز قرار فى عهد ميركل، يثنى عليه مؤيدوها باعتباره قراراً شجاعاً، كما أن ميركل حصدت الإشادات لتعاطيها مع الأزمة الصحية الناتجة عن جائحة كورونا.
بيد أن أزمات أخرى عرّضتها لانتقادات، خصوصاً أزمة ديون اليونان عام 2011، حين أبدت الحكومة الألمانية موقفاً متصلباً دفع أثينا إلى شفير الإفلاس وأثار مشاعر عداء شديد للمستشارة فى أوروبا.
وشهد الدور الذى لعبته ألمانيا على الساحة الدولية تطوراً على مدى 16 عاماً، ففى ظل صعود النزعات الشعبوية، وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، المستشارة ميركل بأنها «زعيمة العالم الحر» الجديدة، وفى عهدها تنامى النفوذ الألمانى فى آسيا كما فى إفريقيا، القارة التى زارتها المستشارة أكثر بكثير من أسلافها، غير أن حصيلة سياستها الخارجية تبقى موضع جدل إذ يبقى وزن ألمانيا الجيوسياسى أدنى بكثير من نفوذها الاقتصادى.
وعلى صعيد آخر، فإن استراتيجية التقارب والتعاون التى انتهجتها ميركل رغم الظروف تجاه روسيا برئاسة فلاديمير بوتين، وأبرز تجلياتها مشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» المشترك، لم تقنع الكرملين بالتخلى عن سياسته المتصلبة، ولم تساعد فى تسوية النزاع بين موسكو وكييف.
كما واجهت ميركل انتقادات متزايدة لإعطائها الأولوية للتبادل التجارى مع الصين، ثانى سوق للصادرات الألمانية، رغم الاتهامات الموجهة إلى بكين على صعيد حقوق الإنسان.
وفيما يتعلق بالعلاقات عبر الأطلسى، فلم يعد بإمكان ألمانيا الاعتماد كما من قبل على المظلة الأمريكية النووية، من غير أن تضع فى هذه الأثناء استراتيجية جديدة على صعيد السياسة الأمنية، رغم مشاركتها بشكل متزايد فى مهمات عسكرية فى الخارج، وذكر تقرير لمؤتمر ميونخ للأمن العام الماضى أن «انخراط ألمانيا» على الساحة الدولية «يبقى فى غالب الأحيان دون تطلعات شركائها الرئيسيين والمطالب التى تطرحها البيئة» العالمية.
وبعدما كانت ألمانيا توصف بلقب «الرجل المريض» فى الاتحاد الأوروبى فى مطلع الألفية الثالثة، استعادت موقعها كأكبر قوة اقتصادية فى القارة، مستندة إلى فائض هائل فى الميزان التجارى وإدارة مالية صارمة، وتراجعت نسبة البطالة خلال 16 عاماً من 11.2% إلى 5.7% فى يوليو الماضى، فى سوق لاتزال هشة على وقع تفشى وباء كورونا، غير أن تبايناً كبيراً لايزال يسجل بين الغرب والشرق، إذ تبقى مناطق فى ألمانيا الشرقية سابقاً بمنأى عن المعجزة الاقتصادية الألمانية، كما تبقى نسبة الوظائف الصغرى متدنية الدخل مرتفعة.
وذكرت مجلة «دير شبيجل» الألمانية أن «الاتحاد الأوروبى فى وضع لم يعد بالجودة التى كان عليها عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005»، مشيرة إلى عدم امتلاك المستشارة «رؤية» وإلى «الهوة بين الشمال والجنوب حول المسائل المالية» وأزمة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى «بريكست»، وصعود الديمقراطيات غير الليبرالية فى ألمانيا، خاصة حزب البديل من أجل ألمانيا.
وإن كانت ميركل اعتنقت نظرية تشارك الديون فى الاتحاد الأوروبى، فهى لم توافق قبل 3 سنوات على اقتراحات الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون الإصلاحية، فى موقف واجه انتقادات حتى داخل ألمانيا. كما أن ميركل لم تنجح فى ترسيخ موقع المرأة فى السياسة، وتبقى نسبة النساء المنتخبات فى مجلس النواب حالياً بمستوى 34%، وهى نسبة تقارب مستوياتها عند وصول ميركل إلى السلطة عام 2005.
وأقرت ميركل، فى 22 يوليو الماضى، بأنه منذ 2005 «لم تحصل أمور كافية» لمكافحة الاحتباس الحرارى، ولو أنها على اقتناع بأنها «كرست الكثير من الطاقة» لهذه المسألة، وأثارت ميركل مفاجأة عام 2011 حين أعلنت عزمها على إخراج بلادها من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما فى اليابان.
كما اضطرت ميركل التى لقبت فى فترة باسم «مستشارة البيئة» وكانت وزيرة للبيئة فى عهد المستشار السابق هيلموت كول، إلى تعزيز أهداف ألمانيا تحت ضغط المحكمة الدستورية التى اعتبرت أنها تفتقر إلى الطموح.
وتميزت انتخابات 2017 التى حافظت خلالها ميركل على منصبها لولاية رابعة على التوالى، بدخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليمينى الشعبوى لأول مرة إلى البرلمان، واغتنم هذا الحزب المعادى للإسلام الذى انبثق جناحه الأكثر راديكالية من حزب النازيين الجدد، المخاوف الناجمة عن فتح أبواب ألمانيا أمام المهاجرين عام 2015 لينمو، خصوصاً فى ألمانيا الشرقية سابقا، حيث يلعب دوراً سياسياً من الصف الأول، وبات الخطر الإرهابى الناجم عن اليمين المتطرف مصدر الخوف الأول، متقدماً على الخطر الجهادى، بعد وقوع عدة هجمات دامية.
وفيما يتعلق بمستقبل الحكم فى ألمانيا، فقد صوت الحزب الاشتراكى، والحزب الديمقراطى الحر فى ألمانيا بأغلبية كبيرة بالموافقة على اتفاقية ائتلاف «إشارة المرور» مع الحزب الاشتراكى الديمقراطى وحزب الخضر، وهو الائتلاف المنتظر أن يحكم ألمانيا خلال السنوات الأربع المقبلة.